مستجدات

تتمحور هذه الدراسة التي أعدها الدكتور “علي محمد الدوه” حول فلسفة المشرع في تسخير العقار لخدمة العجلة الاقتصادية، مع التركيز بشكل خاص على التجربة الموريتانية كنظام قانوني يسعى للمواءمة بين الموروث الاجتماعي والاحتياجات التنموية الحديثة. ينطلق الباحث من فرضية مفادها أن العقار ليس مجرد أصل ثابت، بل هو مادة خام للتنمية لا تتحقق قيمتها إلا من خلال إطار قانوني يحفز على الاستثمار ويضمن استقرار الملكية، معتبراً أن الإصلاحات التشريعية الأخيرة تمثل قطيعة مع التعطيل التقليدي للأراضي.

في الجانب المتعلق بإصلاح بنية الملكية، تحلل الدراسة كيف أن المشرع اتجه نحو إلغاء نظام “الملكية الجماعية” الذي كان يتسم بالجمود ويؤدي إلى هدر مساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة دون استغلال حقيقي. وبدلاً من ذلك، كرس القانون مبدأ “الوظيفة الاجتماعية والاقتصادية للملكية”، حيث أصبح الحق في التملك مرتبطاً بشرط الاستغلال الفعلي والمساهمة في الإنتاج الوطني. هذا التحول يعني أن الحماية القانونية للملكية الخاصة لم تعد مطلقة في حال إهمال الأرض، بل أصبحت مشروطة بقدرة المالك على إحياء الأرض وتحويلها إلى مشروع منتج.

أما بخصوص الآليات الإجرائية لتوزيع العقار، فقد توقفت الدراسة بشكل مفصل عند “نظام المنح” الذي أقره المرسوم المطبق للقانون العقاري. وتوضح القراءة أن هذا النظام صُمم بدقة لتفادي المضاربات العقارية؛ حيث لا تمنح الدولة الأراضي بشكل نهائي ومباشر، بل تمر العملية بمرحلة “المنح المؤقت” التي تفرض على المستثمر إثبات جديته من خلال تنفيذ بنود دفتر التحملات. وفقط عند نجاح المشروع وتحقيق الأهداف الاستثمارية، يتم الانتقال إلى مرحلة “المنح النهائي”، مما يضمن للدولة بقاء العقار كأداة بيد الجادين في الدفع بالاقتصاد الوطني.

وفي سياق متصل، تبرز الدراسة التكامل القانوني بين التشريعات العقارية ومدونات أخرى كمدونة العمران ومدونة الحقوق العينية، معتبرة أن هذا الترابط يهدف إلى خلق “بيئة استثمارية آمنة”. فالباعث العقاري أو المستثمر الزراعي يجد نفسه أمام حزمة من القوانين التي تضمن له إشهار حقوقه وحمايتها من التداخل، وفي نفس الوقت تلزمه بمعايير عمرانية وبيئية تخدم التنمية المستدامة. هذا الإطار القانوني المركب يهدف في نهاية المطاف إلى تحويل العقار من عبء إداري إلى محرك للنمو الحضري والريفي.

وختاماً، تخلص الدراسة إلى أن القوانين العقارية الحديثة تمثل قفزة نوعية نحو “الأمن التنموي”، لكنها تشير في الوقت ذاته إلى أن نجاح هذه النصوص يظل رهيناً بتفعيل اللجان الإدارية وتحديث الرقابة القضائية. وتوصي الدراسة بضرورة تبسيط المساطر القانونية أكثر لتمكين صغار المستثمرين من الوصول إلى العقار، وضمان توزيع عادل للثروة العقارية بما يخدم التوازن الاجتماعي والازدهار الاقتصادي الشامل.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version