تتناول هذه الدراسة التي أعدتها الباحثة “جميلة زقلاني” ظهور نمط حديث من التعاقدات الرقمية يُعرف بـ “العقود الذكية” (Smart Contracts)، والتي تعتبر ثمرة للتطور الهائل في التكنولوجيا المالية وابتكار نظام “البلوكتشين” (Blockchain). تنطلق الدراسة من فكرة جوهرية وهي أن هذه العقود ليست مجرد اتفاقات ورقية تقليدية تم تحويلها إلى صيغة إلكترونية، بل هي برامج معلوماتية ذاتية التنفيذ، تهدف إلى إضفاء صبغة من الأمان والشفافية على العمليات الاستثمارية والمعاملات المالية المعقدة، بما يقلل من الاعتماد على الوسطاء التقليديين.
تستفيض الدراسة في شرح الخصائص الفريدة لهذه العقود، حيث تبرز قدرتها على التنفيذ الآلي للمقتضيات التعاقدية بمجرد تحقق الشروط المبرمجة مسبقاً، دون حاجة لتدخل بشري أو مؤسساتي خارجي. وتوضح القراءة أن استناد هذه العقود إلى تكنولوجيا “سلسلة الكتل” يجعل من العمليات الاستثمارية عصية على التزوير أو التلاعب؛ إذ يتم تسجيل كل حركة مالية في سجلات لا مركزية موزعة، مما يعزز من “الوصول العام للمعلومات” ويمنح المستثمرين قدرة عالية على مراقبة مسار استثماراتهم بكل شفافية ووضوح، وهو ما يساهم في بناء ثقة متينة بين أطراف العملية الاستثمارية.
كما تحلل الدراسة الدور الجوهري للعقود الذكية في تحسين الكفاءة التشغيلية، حيث تؤدي إلى تسريع وتيرة المعاملات الاستثمارية وتقليل التكاليف الإدارية الناتجة عن تعقد المساطر القانونية التقليدية. وتشير الباحثة إلى أن ميزة “عدم الرجعية” في العمليات المنفذة عبر البلوكتشين تضمن استقرار المراكز القانونية وتمنع الإنكار أو التراجع عن الالتزامات، مما يخلق بيئة استثمارية رقمية تتسم بالانضباط والسرعة، وهي متطلبات أساسية لجذب رؤوس الأموال في العصر الرقمي الحالي.
وعلى الرغم من هذه المزايا الواعدة، لم تغفل الدراسة رصد التحديات القانونية والتقنية التي تكتنف استخدام هذه العقود. وتوضح القراءة أن هناك إشكاليات تتعلق بمدى اعتراف الأنظمة القانونية التقليدية بحجية هذه العقود الرقمية، وصعوبة تعديل الشروط البرمجية بعد بدئها نظراً لطبيعتها الجامدة، بالإضافة إلى مخاطر الثغرات البرمجية التي قد تؤدي إلى نتائج غير مقصودة. وتشدد الدراسة على أن استخدام هذه العقود لا يزال يواجه قيوداً تتطلب تطوير أطر تشريعية مرنة وقادرة على استيعاب خصوصية التشفير واللامركزية.
وختاماً، تخلص الدراسة إلى أن العقود الذكية تمثل مستقبل الاستثمار الآمن والشفاف، وهي قادرة على إحداث ثورة في كيفية إبرام وتنفيذ الصفقات الكبرى. وتوصي الباحثة بضرورة تكثيف الجهود لتحديث القوانين الوطنية لتتلاءم مع هذه التقنيات، وتدعو إلى تعزيز الوعي التقني لدى القانونيين والمستثمرين لضمان الاستغلال الأمثل لهذه الأدوات، مؤكدة أن التكامل بين القانون والتكنولوجيا هو السبيل الوحيد لتحقيق السيادة الرقمية والازدهار الاقتصادي في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة.
