مستجدات

تتناول هذه الدراسة التي أعدها الدكتوران “رشيد عدنان” و”منير الحجاجي” المسار التنموي والإصلاحي لمنظومة العدالة في المغرب، مع التركيز على “ميثاق إصلاح منظومة العدالة” كوثيقة مرجعية أفرزها حوار وطني شامل. تنطلق الدراسة من فكرة أن إصلاح العدالة ليس مجرد ترف فكري أو إجراء إداري معزول، بل هو ضرورة حتمية فرضتها التحولات الدستورية العميقة لعام 2011، والتي أرست دعائم “السلطة القضائية” ككيان مستقل تماماً عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، بهدف تكريس دولة الحق والقانون وتعزيز ثقة المواطن والمستثمر في المؤسسة القضائية.

تستفيض الدراسة في تحليل الأهداف الاستراتيجية التي جاء بها الميثاق، وفي مقدمتها استقلال القضاء وتحديث الإدارة القضائية. وتوضح القراءة أن هذا الإصلاح لم يقتصر على الهياكل التنظيمية فحسب، بل شمل “تخليق الحياة القضائية” عبر وضع ضوابط أخلاقية صارمة وتفعيل آليات المحاسبة، بالإضافة إلى تعزيز النجاعة القضائية من خلال تبسيط المساطر ورقمنة المحاكم لضمان صدور الأحكام في آجال معقولة. هذا التوجه يهدف إلى تحويل القضاء من مجرد جهاز لحل النزاعات إلى قاطرة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، حيث يعتبر الأمن القضائي ركيزة أساسية لجلب الاستثمارات وحماية الحقوق والحريات.

كما تتوقف الدراسة بشكل معمق عند “المخرجات التشريعية” لهذا الإصلاح، وخاصة القوانين التنظيمية المتعلقة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة. وتشرح الدراسة كيف أن هذه النصوص شكلت نقلة نوعية في تدبير المسار المهني للقضاة، حيث تم نقل اختصاصات التسيير والتعيين والترقية من وزارة العدل إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وهو ما يجسد الاستقلال المؤسساتي والوظيفي. كما عرجت الدراسة على إصلاح القضاء العسكري وتعديل المسطرة الجنائية والمدنية كخطوات مكملة تهدف إلى ملاءمة التشريعات الوطنية مع الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان.

وعلى مستوى التحديات، تبرز الدراسة أن تنزيل مقتضيات الميثاق واجه إكراهات ترتبط بمقاومة التغيير والحاجة إلى موارد مالية وبشرية ضخمة لتنفيذ مشاريع الرقمنة والتحديث. وتؤكد القراءة أن الإصلاح هو “عملية مستمرة” تتطلب تقييماً دورياً للمخرجات وقياس مدى رضا المرتفقين. وتخلص الدراسة إلى أن نجاح منظومة العدالة في المغرب رهين بالقدرة على الموازنة بين استقلال القضاء وبين “المساءلة”، لضمان أن تظل السلطة القضائية في خدمة المواطن، وأن تسهم بفعالية في بناء مجتمع ديمقراطي حديث تسوده العدالة والإنصاف.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version