تتناول هذه الدراسة التي أعدها الباحث “سفيان بن عبد الله” موضوعاً بالغ الأهمية يتمثل في اقتحام التكنولوجيا الرقمية لمجال التحفيظ العقاري بالمغرب. وتبرز أهمية البحث من خلال رصد التحول من التدبير الورقي التقليدي إلى “الإدارة الرقمية” التي تهدف إلى تبسيط المساطر، وضمان السرعة والفعالية في معالجة الملفات العقارية، وتعزيز الثقة بين المرتفقين والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية.
ترتكز الدراسة في تحليلها على أن الرقمنة في المجال العقاري ليست مجرد ترف تقني، بل هي ضرورة فرضها التطور التكنولوجي العالمي لتجاوز البطء البيروقراطي وتفادي المخاطر المرتبطة بالوثائق الورقية مثل التلف أو التزوير. وتوضح القراءة أن هذا الانتقال الرقمي شمل مختلف مراحل مسطرة التحفيظ، بدءاً من إيداع المطالب وتتبعها عبر المنصات الإلكترونية، وصولاً إلى استخراج الشهادات العقارية والتصاميم الطبوغرافية الرقمية، مما ساهم في تقليص المسافات وتوفير الوقت والجهد على المهنيين والمواطنين على حد سواء.
كما تفصل الدراسة في الجوانب القانونية والتقنية لهذا التدبير، حيث تشرح كيف تم إرساء ترسانة من الخدمات الرقمية المتطورة، مثل خدمة “محافظتي” التي تتيح للملاك تتبع وضعية عقاراتهم بشكل آني، وخدمة “الأداء الإلكتروني” للواجبات القضائية، بالإضافة إلى رقمنة الأرشيف العقاري الوطني. وتؤكد الدراسة أن هذه الإجراءات تهدف بالأساس إلى تحقيق “الأمن العقاري الرقمي” من خلال تحصين المعطيات العقارية في قواعد بيانات مؤمنة يصعب اختراقها أو التلاعب بها، مما يمنح الرسم العقاري قوة ثبوتية مضاعفة في البيئة الرقمية.
وعلى مستوى آخر، تسلط الدراسة الضوء على التحديات التي تواجه هذا المسار الرقمي، ومن أبرزها ضرورة مواءمة النصوص القانونية الحالية (خاصة ظهير التحفيظ العقاري) مع مقتضيات القوانين المتعلقة بتبادل المعطيات القانونية إلكترونياً والتوقيع الإلكتروني. وتوضح الدراسة أن نجاح التدبير الرقمي يقتضي وجود بنية تحتية تقنية قوية وقوانين مرنة تعترف بالحجية الكاملة للوثيقة الإلكترونية في المنازعات القضائية، وهو ما يفرض تحديات جديدة على القضاء العقاري عند البت في صحة الإجراءات الرقمية.
وفي الختام، تخلص الدراسة إلى أن الرقمنة هي السبيل الوحيد لتحديث المنظومة العقارية المغربية وجعلها قاطرة للتنمية والاستثمار. وتوصي الدراسة بضرورة الاستمرار في تعميم الخدمات الرقمية لتشمل كافة المحافظات العقارية، مع الحرص على تكوين الموارد البشرية وتوعية المرتفقين بأهمية هذه الوسائط الحديثة. وتؤكد أن المستقبل يتجه نحو “الرسم العقاري الرقمي الكامل” الذي سيلغي الحاجة إلى الدعائم الورقية، مما سيحدث ثورة في مفهوم الملكية العقارية وطرق تدبيرها في العصر الرقمي.
