تعتبر هذه الدراسة التي صاغها الدكتور “أحمد أجعون” الأستاذ الباحث بجامعة المولى إسماعيل بمكناس، مرجعاً تحليلياً هاماً يسلط الضوء على “دعوى التعرض” باعتبارها الوسيلة القانونية الوحيدة لمواجهة مطلب التحفيظ. ينطلق الباحث من حقيقة قانونية مفادها أن وضع مطلب التحفيظ لا يعدو أن يكون قرينة بسيطة على الملكية تقبل إثبات العكس، وهنا تبرز أهمية التعرض كآلية دفاعية تفتح باب المنازعة القضائية حول أصل الحق أو مداه أو الحدود، مما يجعلها بمثابة “مقال افتتاحي لدعوى من نوع خاص” تهدف إلى حماية ذوي الحقوق من الغير قبل تأسيس الرسم العقاري النهائي الذي يتمتع بحجية مطلقة وتطهيرية.
فيما يخص الطبيعة القانونية للتعرض، توضح الدراسة وجود نقاش فقهي وقضائي حول توصيفه؛ فبينما يراه البعض مجرد إجراء إداري في مراحله الأولى أمام المحافظ العقاري، يميل الباحث إلى اعتباره ادعاءً قضائياً منذ اللحظة الأولى لتقديمه، نظراً للآثار القانونية الجسيمة التي يترتب عليها. وتبرز خصوصية هذه الدعوى في كونها تخضع لنظام إجرائي مزدوج، يبدأ في ردهات المحافظة العقارية وينتهي في قاعات المحاكم، حيث يمارس المحافظ دوراً توفيقياً وإدارياً قبل أن تنتقل المنازعة إلى سلطة القضاء الذي يفصل في جوهر الاستحقاق بناءً على الحجج والوثائق المدلى بها من الطرفين.
كما تفيض الدراسة في تحليل القواعد الاستثنائية التي تحكم “عبء الإثبات” في دعوى التعرض، وهي من أبرز خصوصيات هذا النوع من النزاعات. فخلافاً للقواعد العامة في قانون الالتزامات والعقود التي تنص على أن البينة على من ادعى، نجد أن القضاء المغربي، ومن خلال اجتهادات محكمة النقض، كرس نظاماً دقيقاً يوازن بين مركز طالب التحفيظ ومركز المتعرض. فالمتعرض ملزم بإثبات الحق الذي يدعيه على العقار، بينما يظل طالب التحفيظ في مركز دفاعي غالباً، إلا أن هذه المعادلة تخضع لتقدير القضاء الذي يمحص الحجج ويرجح الأقوى منها، خاصة عندما يتعلق الأمر بحيازة قانونية مستوفية لشروطها أو رسوم ملكية صحيحة ومسجلة.
وتناول الباحث أيضاً الدور المحوري للمحافظ العقاري في إدارة هذه الخصومة قبل وصولها للمحكمة، مبرزاً الحدود الفاصلة بين سلطته التقديرية في قبول أو إلغاء التعرضات وبين الاختصاص الحصري للقضاء في البت في موضوعها. وقد توقفت الدراسة عند التوجهات الحديثة للقضاء المغربي التي تحرص على تضييق الخناق على التعرضات الكيدية أو غير الجدية التي تهدف فقط إلى عرقلة مسطرة التحفيظ، مشددة على أن العدالة العقارية تقتضي حماية طالب التحفيظ من التعسف في استعمال حق التعرض بقدر ما تقتضي حماية حقوق المتعرضين الحقيقيين.
وفي الختام، تخلص الدراسة إلى أن دعوى التعرض تظل صمام الأمان الحقيقي لنظام التحفيظ العقاري العيني، فهي المرحلة الانتقالية التي يتم فيها تصفية جميع الحقوق والنزاعات المتعلقة بالعقار. وتؤكد الدراسة أن الاجتهاد القضائي المغربي قد لعب دوراً حاسماً في سد الثغرات التشريعية وتفسير النصوص الغامضة في ظهير التحفيظ العقاري، بما يضمن التوازن بين سرعة إنجاز المسطرة وضمان جودة الحماية القضائية للحقوق العينية، مما يساهم في نهاية المطاف في تحقيق الأمن العقاري الذي يعد ركيزة أساسية للتنمية والاستثمار.

