تتناول هذه الدراسة التي أعدها الباحث “الحسن أولياس” الدور الجوهري والحيوي الذي تلعبه محكمة النقض المغربية باعتبارها هرم الهيكل القضائي في توجيه وتصحيح المسار القانوني لنزاعات التحفيظ العقاري. تنطلق الدراسة من إشكالية محورية وهي كيفية توفيق القضاء بين صرامة النصوص التشريعية في نظام التحفيظ العقاري وبين متطلبات العدالة والإنصاف التي تقتضي حماية صاحب الحق الحقيقي، خاصة في ظل نظام عيني يقوم على مبادئ التطهير والقوة الثبوتية المطلقة للرسوم العقارية.
توضح الدراسة أن اجتهاد محكمة النقض لم يكتفِ بالتفسير الحرفي للنصوص، بل عمل على تكريس مبادئ العدل من خلال إعطاء الأولوية للحقائق المادية والموضوعية في حالات النزاع على الملكية. فعلى مستوى دعاوى التعرض، كرس القضاء توجهات تحمي المتعرضين الذين يثبتون ملكيتهم بوسائل شرعية وقانونية قوية، معتبراً أن غاية التحفيظ هي تحصين الملكية لا اغتصابها، ومن ثم فإن المحكمة تبذل جهداً استثنائياً في تمحيص الحجج وترجيح البينات الأكثر مطابقة للواقع وللعدالة، مما يحد من آثار التعرضات الكيدية من جهة، ويضمن عدم ضياع حقوق الملاك الحقيقيين من جهة أخرى.
وفيما يتعلق بإجراءات التحقيق في الدعاوى العقارية، تبرز الدراسة كيف أن محكمة النقض شددت على ضرورة تفعيل المحاكم لمختلف الوسائل التقنية والقانونية كالمعاينات الميدانية والاستعانة بالخبرات الطبوغرافية وشهادة اللفيف. هذا التوجه القضائي يهدف إلى جعل الحكم القضائي مرآة عاكسة للواقع، حيث لا يتم الفصل في استحقاق العقار إلا بعد التأكد التام من هوية العقار وحدوده ومشتملاته، وهو ما يجسد مفهوم “الإنصاف الإجرائي” الذي يسبق الإنصاف الموضوعي في إصدار الأحكام.
كما عرجت الدراسة على دور محكمة النقض في التصدي لمشكلات التدليس والتحايل التي قد تشوب مسطرة التحفيظ. فعلى الرغم من أن القاعدة الأصلية في نظام التحفيظ هي “التطهير” أي أن الرسم العقاري يمحو ما قبله، إلا أن اجتهادات محكمة النقض فتحت آفاقاً لإقرار المسؤولية والتعويض في حالات الغش، مؤكدة أن القانون لا يمكن أن يكون مظلة للمحتالين. هذا التفسير المقاصدي للنصوص يساهم في بناء ثقة المستثمرين والملاك في المنظومة العقارية، ويؤكد أن الأمن القضائي هو الدعامة الأساسية للأمن العقاري.
وختاماً، تخلص الدراسة إلى أن محكمة النقض، من خلال قراراتها النوعية، نجحت في تحويل النصوص الجامدة إلى قواعد مرنة تخدم العدالة. فقد استطاعت إيجاد توازن دقيق بين استقرار المعاملات العقارية الذي يفرضه نظام التحفيظ، وبين الضرورة الأخلاقية والقانونية لتحقيق الإنصاف. وتوصي الدراسة بضرورة استلهام هذه الاجتهادات في أي تعديل تشريعي مستقبلي لضمان مواكبة القانون للتطورات الاجتماعية والاقتصادية، ولترسيخ دور القضاء كحارس أمين للملكية العقارية في المغرب.

