تتناول هذه الدراسة التي أعدها الدكتور “عبد الرحمان اللمتوني” (القاضي الملحق بوزارة العدل والحريات) إشكالية فكرية وقانونية بالغة الأهمية، وهي العلاقة الجدلية بين “الاجتهاد القضائي” كآلية لتطوير القانون، وبين “الأمن القانوني” كضرورة لاستقرار المراكز القانونية وتوقع الأحكام. تنطلق الدراسة من تساؤل جوهري حول ما إذا كان الدور الإنشائي للقاضي وتغييره المستمر لاجتهاداته يخدم العدالة أم أنه يزعزع ثقة المتقاضين في القانون ويؤدي إلى حالة من عدم اليقين.
تستفيض الدراسة في تحليل مفهوم “الأمن القانوني” باعتباره حقاً للمواطن في أن يكون قادراً على معرفة القواعد القانونية المطبقة عليه مسبقاً، وتوقع نتائج تصرفاته القانونية. وتوضح القراءة أن الاجتهاد القضائي، رغم كونه مصدراً حياً للقانون يملأ الفراغ التشريعي ويفسر الغموض، إلا أنه قد يتحول إلى مصدر “للانفلات القانوني” في حال تعددت التأويلات وتضاربت القرارات بين المحاكم، أو في حال حدوث “تحول مفاجئ” في اجتهاد محكمة النقض دون تمهيد، مما يجعل المراكز القانونية التي استقرت لسنوات مهتزة وغير مستقرة.
وتناقش الدراسة بذكاء “الدور الخلاق للقاضي”؛ فبينما يطالب البعض بجمود النص لضمان الأمن، يرى الباحث أن “الجمود هو موت القانون”، وأن الاجتهاد ضرورة لمواكبة تطورات العصر. ومع ذلك، تضع الدراسة ضوابط دقيقة لهذا الاجتهاد لكي لا يمس بالأمن القانوني، من أبرزها ضرورة “الاستمرارية والوحدة” في الاجتهاد القضائي، بحيث لا يتم العدول عن توجه قضائي مستقر إلا لأسباب موضوعية قوية، ومع ضرورة إيجاد آليات لإعلام المتقاضين بهذا التحول، ربما عبر ما يعرف بـ “العدول القضائي للمستقبل” لتفادي الأثر الرجعي الذي قد يضر بحقوق مكتسبة.
كما توقفت الدراسة عند دور محكمة النقض كصمام أمان للأمن القانوني، فهي الجهة المنوط بها توحيد الاجتهاد وضمان تطبيق القانون بشكل متساوٍ ومتوقع على جميع المواطنين. وتشير القراءة إلى أن “التضارب في قرارات الغرف” داخل المحكمة الواحدة هو أكبر مهدد للأمن القانوني، مما يستدعي تفعيل آليات الغرف المجتمعة للحسم في القضايا الخلافية الكبرى، لضمان أن يظل الاجتهاد القضائي أداة للتطوير لا معولاً لتهديم الاستقرار القانوني.
وختاماً، تخلص الدراسة إلى أن “انعدام الأمن القانوني” هو ضريبة حتمية لحركية القانون، لكن يجب إبقاؤه في حدوده الدنيا. وتوصي الدراسة بضرورة تكريس مبدأ “توقع الأحكام القضائية” كجزء من الحق في المحاكمة العادلة، مع الدعوة إلى تجويد صياغة النصوص التشريعية لتقليص الحاجة للتأويل الواسع، وتعزيز دور النشر القضائي ليكون المتقاضي والمحامي على دراية دائمة بتطورات فكر القضاء، مما يساهم في النهاية في بناء منظومة قضائية تجمع بين المرونة في التطوير والصلابة في حماية الحقوق واستقرار المعاملات.

