يُعد هذا الكتاب، الذي يضم أعمال الندوة الدولية التي نظمها “مختبر التراث الفقهي” بكلية الشريعة بأيت ملول التابعة لجامعة ابن زهر، مرجعاً علمياً استثنائياً يسعى إلى إثبات حيوية الفقه الإسلامي وقدرته على رفد القوانين الوضعية بالحلول والضوابط. ينطلق البحث من رؤية فلسفية مفادها أن القواعد الفقهية ليست مجرد نصوص تراثية جامدة، بل هي مبادئ كلية تتسم بالمرونة والشمولية، وقد شكلت عبر العصور “الروح الناظمة” للتشريعات في المجتمعات الإسلامية، وما تزال تمارس دوراً جوهرياً في توجيه المشرع وصياغة القواعد القانونية الحديثة وفي إرشاد القاضي نحو تحقيق المقاصد الشرعية والعدالة الاجتماعية.
تتعمق فقرات الكتاب في تحليل “الأثر التأسيسي” للقواعد الفقهية على مدونة الحقوق العينية المغربية، حيث تبرز كيف استلهم المشرع أحكام الحيازة والشفعة والهبة والصدقة من أمهات المتون الفقهية المالكيّة. وتوضح الدراسات المدرجة أن العديد من المواد القانونية ما هي إلا صياغة عصرية لقواعد فقهية كبرى، مثل قاعدة “الحيازة في العقار غير المحفظ كالملك” أو ضوابط “الشفعة”، مما يؤكد أن الهوية التشريعية للمادة العقارية في المغرب تظل مرتبطة بآواصر متينة بالفقه الإسلامي، وهو ما يمنح هذه القوانين قبولاً مجتمعياً وقوة أخلاقية تنبع من مرجعيتها العقدية.
كما يفرد المؤلف مساحة واسعة لتحليل أثر هذه القواعد في “الاجتهاد القضائي”، خاصة لدى محكمة النقض. وتكشف الدراسات أن القضاة غالباً ما يلجؤون إلى القواعد الفقهية لملء الفراغ التشريعي أو لتفسير النصوص الغامضة، مستصحبين قواعد كبرى مثل “اليقين لا يزول بالشك” أو “المشقة تجلب التيسير”. ويبرز الكتاب كيف أن “قاعدة ما جرى به العمل” في المادة الأسرية والمدنية قد ساهمت في استقرار المعاملات وحماية حقوق الأفراد، مما يجعل من القاعدة الفقهية أداة حية في يد القضاء لتحقيق الإنصاف وتجاوز جمود النص القانوني في الحالات المعقدة التي تتطلب نظراً مقاصدياً.
وفي الجانب المتعلق بالمعاملات المالية الحديثة، يستعرض الكتاب كيف تساهم القواعد الفقهية للضمان في صياغة العقود ضمن “التمويلات التشاركية” (البنوك الإسلامية). وتوضح القراءة أن هذه القواعد تضمن التوازن العقدي وتحمي أطراف العقد من الغرر والظلم، مما يؤكد أن التراث الفقهي يمتلك القدرة على تأطير أحدث العمليات المالية المعاصرة. كما يناقش الكتاب القواعد الاستصحابية وأثرها في صياغة القواعد الجنائية وقواعد الإثبات، مما يجعل من هذا المؤلف جولة شاملة في مختلف فروع القانون، ليؤكد في النهاية أن التكامل بين الفقه والقانون هو الضمانة الأسمى لتحقيق الأمن القانوني والقضائي في الدولة المعاصرة.
ختاماً، يخلص هذا المؤلف الجماعي إلى ضرورة استمرار الحوار بين علماء الشريعة ورجال القانون، ويوصي بضرورة “تقنين” المزيد من القواعد الفقهية لتصبح نصوصاً قانونية صريحة تسهل عملية التقاضي. إن هذا الكتاب ليس مجرد توثيق لندوة، بل هو دعوة لتجديد النظر في التراث الفقهي واستثماره في بناء منظومات قانونية عادلة تواكب العصر دون أن تنبتّ عن أصولها وقيمها الراسخة.

