تتناول هذه الدراسة التي أعدها الدكتور “علي بن خلفان الهنائي” التحول الاستراتيجي في العقيدة الأمنية لدول مجلس التعاون الخليجي نحو اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي. تنطلق الدراسة من فرضية أن التهديدات الأمنية المعاصرة أصبحت أكثر تعقيداً ورقمنة، مما يجعل الوسائل التقليدية غير كافية للمواجهة، ومن هنا تبرز أهمية توظيف الخوارزميات الذكية لتحليل البيانات الضخمة والتنبؤ بالجريمة قبل وقوعها، وهو ما يمثل نقلة نوعية من “الأمن المستجيب” إلى “الأمن الاستباقي” الذي يهدف إلى تعزيز الاستقرار وحماية الأرواح والممتلكات بكفاءة أعلى وتكلفة زمنية أقل.
فيما يخص الواقع الحالي للتطبيقات الأمنية، كشفت الدراسة من خلال تحليل آراء عينة من المختصين (قانونيين، وأمنيين، وتقنيين) أن دول المجلس قطعت شوطاً متوسطاً إلى متقدم في دمج الذكاء الاصطناعي ضمن منظوماتها. وتتنوع هذه التطبيقات لتشمل أنظمة التعرف على الوجوه، وتحليل الأنماط الجرمية، ومراقبة الحدود عبر الطائرات بدون طيار (الدرونز)، بالإضافة إلى استخدام الأنظمة الذكية في تنظيم المرور والحد من الحوادث. وتؤكد الدراسة أن الجاهزية الحكومية في دول الخليج تعكس إرادة سياسية قوية لتبني هذه التقنيات، مما جعلها تتبوأ مراكز متقدمة في مؤشرات الجاهزية العالمية للذكاء الاصطناعي، معتبرة أن البيانات هي “النفط الجديد” الذي يغذي محركات الذكاء الاصطناعي في المجال الأمني.
أما عن التحديات التي تواجه هذا التحول، فقد فصلت الدراسة في جوانب متعددة شملت العقبات التقنية، والقانونية، والأخلاقية. فمن الناحية التقنية، تبرز الحاجة إلى بنية تحتية فائقة القدرة وحماية المعطيات من الهجمات السيبرانية التي قد تستهدف الأنظمة الذكية ذاتها. ومن الناحية القانونية والأخلاقية، تثير الدراسة إشكاليات تتعلق بخصوصية الأفراد وحقوق الإنسان، ومدى مشروعية القرارات التي تتخذها الآلة، وضرورة وجود إطار تشريعي ينظم مسؤولية الذكاء الاصطناعي عند حدوث أخطاء تقنية. ورغم هذه التحديات، أظهرت النتائج أن هناك تفاؤلاً كبيراً بالآفاق المستقبلية، حيث يتوقع الخبراء أن تصبح الأنظمة الذكية هي العمود الفقري للعمل الشرطي، خاصة في مجالات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود.
وختاماً، خلصت الدراسة إلى أن النجاح في توظيف الذكاء الاصطناعي أمنياً لا يتوقف على امتلاك التكنولوجيا فحسب، بل على بناء “منظومة متكاملة” تجمع بين الكادر البشري المؤهل والتشريعات المرنة. وتوصي الدراسة بضرورة تكثيف التعاون بين دول مجلس التعاون لتبادل الخبرات والبيانات الأمنية، والاستثمار في مراكز الأبحاث المتخصصة لتطوير خوارزميات محلية تتناسب مع الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للمنطقة. وتؤكد أن الذكاء الاصطناعي هو “كهرباء العصر الجديد” التي ستضيء دروب الأمن والاستقرار، شريطة أن تُحكم بضوابط تضمن التوازن بين الفعالية الأمنية وصون الحريات العامة.

