تتناول هذه الدراسة التي أعدها الدكتور “الحسين عباسي” إشكالية حيوية تتعلق بقدرة الوسائل البديلة لفض المنازعات (كالصلح والوساطة والتحكيم) على استيعاب النزاعات المعقدة المرتبطة بالعقار المحفظ والتعمير في المغرب. تنطلق الدراسة من كون العقار المحفظ هو الركيزة الأساسية للاستثمار لتمتعه بالحصانة القانونية، إلا أن تراكم المنازعات أمام القضاء الرسمي أصبح يشكل عائقاً أمام دوران العجلة الاقتصادية، مما يستدعي البحث عن “عدالة تصالحية” ناجعة.
طبيعة المنازعات العقارية والتعميرية توضح الدراسة أن المنازعات التي ترد على العقار المحفظ تتنوع بين منازعات مدنية محضة، كدعاوى القسمة العقارية أو الحجز العقاري، ومنازعات إدارية مرتبطة بالعملية التعميرية وقرارات الإدارة. وتبرز الصعوبة في كون هذه النزاعات تتسم بالبطء الشديد أمام المحاكم، مما يؤدي إلى تجميد العقار لسنوات طويلة، وهو ما يتنافى مع الطبيعة الديناميكية للاستثمار التي تتطلب السرعة واليقين القانوني.
الوسائل البديلة كحل للجمود القضائي يستعرض الباحث دور الوسائل البديلة في إخراج قطاع العقار والتعمير من حالة الركود. وتؤكد الدراسة أن “العدالة التصالحية” تمنح الأطراف مرونة لا يوفرها القضاء التقليدي، حيث تسمح بالتوصل إلى حلول توافقية ترضي جميع الأطراف وتحافظ على الروابط الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في نزاعات القسمة بين الشركاء أو النزاعات الناشئة عن عقود التعمير والتدبير العقاري، مما يساهم في تحويل العقار من موضوع نزاع معطل إلى أصل منتج.
الخصوصية والقيود القانونية تثير الدراسة تساؤلاً جوهرياً حول “قابلية” هذه النزاعات للحل عبر الوسائل البديلة، نظراً لارتباط نظام التحفيظ العقاري في المغرب بالنظام العام. وتوضح القراءة أن هناك حدوداً دقيقة تفصل بين ما يمكن التحكيم فيه وبين ما يجب أن يظل حكراً على القضاء، خاصة عندما يتعلق الأمر بإجراءات إدارية جوهرية يشرف عليها المحافظ العقاري. وتشدد الدراسة على أن إدماج الوسائل البديلة يتطلب ترسانة قانونية واضحة تعترف بالاتفاقات التصالحية وتمنحها قوة التنفيذ دون المساس بمبادئ التحفيظ العقاري.
الاستنتاجات والآفاق المستقبلية خلصت الدراسة إلى أن تعزيز دور الوسائل البديلة هو ضرورة ملحة لتحسين مناخ الأعمال في المغرب. وتوصي بضرورة نشر ثقافة “الصلح والوساطة” بين المهنيين والمستثمرين، وتأهيل محكمين ووسطاء متخصصين في المادة العقارية والتعميرية. وتؤكد أن التكامل بين القضاء الرسمي والوسائل البديلة هو الكفيل بتحقيق “الأمن العقاري” المنشود، مما يضمن استقرار الملكية وفي نفس الوقت سرعة فض النزاعات، وهو ما يعزز في نهاية المطاف جاذبية العقار كوعاء للاستثمارات الكبرى.

