
مقدمة
أسهمت المدن العتيقة في البناء التاريخي والحضاري للبلاد المغربية، مستفيدة من مواقعها الجغرافية التي أهلتها للاضطلاع بأدوار مهمة اقتصادية وسياسية وثقافية، فكانت حلقة أساس في التطور التاريخي الذي عرفه المغرب لقرون عديدة.
وتعد تازة من أبرز هذه المدن العتيقة التي تتميز بقدمها وعبق تاريخها وأهمية موقعها الجغرافي في الواقع بين جبال الأطلس المتوسط وجبال الريف، الذي أسهم في جعلها مركزا حضارياً وتجارياً هاماً عبر العصور، كما جعلها ممرا حاسما لانبثاق العديد من الدول في المغرب الوسيط والحديث، وبوابة أهل الشرق لمرورهم إلى عدوة الأندلس، بالإضافة إلى ذلك، احتلت تازة مكانة خاصة في التاريخ المغربي نظراً لدورها المحوري في الفتوحات الإسلامية والمواجهات العسكرية، وكـذلك لتأثيرها الديني والثقافي والقيمي، وهو ما يشهد عليه ميلاد العديد من الفقهاء والصلحاء والعلماء ورجال القانون والسياسة فيها.
حظيت حاضرة تازة عبر سيرورتها التاريخية بعناية المؤرخين والرحالة القدامى كما أن الباحثين والمفكرين المعاصرين، الذين دأبوا على استشكال العديد من القضايا التي خصت مراحلها التاريخية، قديمها وراهنها، ومسائلها الدينية والعقدية، سواء بدراسة بواديها والقبائل التي استوطنتها، أو الاهتمام بأصولها التاريخية وتشكلاتها الديموغرافية وفوارقها الاجتماعية، وبنياتها الثقافية، ومعالمها الأثرية، وهندستها العمرانية، ومواردها الاقتصادية، ومحاورها التجارية، وتعدديتها الدينية، وزواياها الصوفية، ومعاركها الحربية.
وعليه، ترنو هذه الورقة التي تشكل أرضية لكتاب تكريمي لأحد أعلام تازة في زمننا الراهن، وهو الأستاذ الجليل عبد العزيز بل فايدة، إلى فصل المقال فيما بين القضايا التاريخية والدينية والاجتماعية وبيان أوجه التفاعل بينها، وهي المجالات التي أسهمت في التحولات الكبرى لهذه المدينة وكان لها دور في تأثيث فسيفسائها، عبر مقاربات منفتحة ومتكاملة: تاريخية، وجغرافية، وأنثروبولوجية، وسوسيولوجية، دينية، عمرانية…، بغية بناء رؤية أعمق عن هذه المدينة العريقة.





